كم تسعد وتسر عندما تطلع على إعلانات شركات الاتصالات والتي تبشر بسرعات عالية تريح البال لمستخدمي الإنترنت عبر شرائح الجوال من كل الشركات حيث أنها تعتمد تقنية الجيل الرابع 4G/LTE، والتي تصل سرعاتها إلى 100 ميجابت في الثانية. وما أن تقوم بالاشتراك في الخدمات المعلن أنها تصل إلى 21 أو 42 ميجابت إلا وتتفاجأ بأن هذه السرعات موجودة فقط في الإعلانات. أما فأرض الواقع عنها براء. بل وبجولة شخصية في بعض أرجاء مدينة الرياض العاصمة والمفترض أنها من ضمن المدن الأكثر تقدما في تقنية الاتصالات بالمملكة تبين لي أنه من الصعوبة أن تحصل على 10% من هذه السرعات المعلن عنها. بل إن بعض أبراج هذه الشركات ما تفتأ تتقلب وأنت متصل بالشبكة بين الجيل الرابع والثالث والثاني نزولا إلى أقدم التقنيات. ويحدث أحيانا أن تشترك في خدمة جديدة وتكون راض عنها نوعا ما، إلا أنك في الغالب تتفاجأ بعد عدة أيام أو أسابيع بتدهور الخدمة وتقلبها. وقد تبرر بعض شركات الاتصالات هذا الضعف بأن التقنية جديدة وغير مجربة، إلى غيره من التبريرات المقبولة شكلا، إلا أن المستخدم الذي اشترى هذه الخدمة أو اشترك فيها لا يكترث بهذه التبريرات ولا يتفهمها، فهو يتوقع أن يصل إلى السرعة المعلنة أو حولها والتي يدفع مبلغها بالكامل. بل كان لزاما على الشركات إعادة المبالغ المالية المدفوعة أو جزء منها إن لم تتحقق السرعات الموعود بها، وأتساءل شخصيا عن "اتفاقية جودة الخدمة" التي تربط المبالغ المدفوعة بمستوى جودة الخدمة أو بحد أدنى منها، إذا لم تلتزم به الشركة فستكون مطالبة بتصحيح الوضع فورا، أو إعادة المبالغ أو التعويض عن الأضرار الناجمة عن سوء الخدمة أو تذبذبها. ولقد تحدثت في مقال سابق ،منذ أربعة أشهر، عن تقنية الجيل الرابع وحذرت من تقديم هذه التقنية بسرعات ضعيفة.
بل إني أتساءل عن دور هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات – التي يثق فيها المستفيدون- تجاه هذه القضية المزعجة من جهة، وسهلة التحقق والإثبات من جهة أخرى! فأين دورها في تفعيل ضبط الجودة على موفري هذه الخدمات؟ وأين المؤشرات الدورية عن جودة خدمات الإنترنت المتحركة!
إنني مقتنع تماما بأن شركات الاتصالات ومسؤوليها في المملكة ومعرفتي بهم، ومن دون أي مجاملة مهتمون جدا برضا العملاء، وتقديم أفضل الخدمات، وتبوء مقعد الصدارة في توفير أفضل السرعات، بل إن هذه الشركات أطلقت شعارات نصية (هتافات) إيجابية وجذابة، إلا أنها لم توفق في الاقتراب منها، وكأن هذه الهتافات هي طموحات مستقبلية تسعى الشركات لتحقيقها. إذ يتعين على هذه الشركات والتي تقدم خدمات الإنترنت بأن تعمل بشكل أفضل لتحقيق مستويات خدمة متسارعة ومتماشية مع السرعات العالمية التي تتناسب مع تطبيقات الإنترنت الجديدة ومحتوياتها الحديثة التي وبشكل مستمر تتطلب مزيدا من سرعات الإنترنت.
ولعلي أؤكد في هذا السياق أن عدم الحصول على سرعات ذات جودة وموثوقية في ظل ازدياد الطلب على الإنترنت، وتكاثر الخدمات الإلكترونية، وزيادة متطلبات السرعة لتطبيقات الإنترنت ومحتوياتها، ونجاح الكثير من الدول في تقديم سرعات عالية جدا يعني ذلك كله أننا نتراجع في مستوى سرعات الإنترنت حتى لو كان هناك زيادة متواضعة في السرعات.
لذا فالشركات السعودية مطالبة بالاستثمار في مشاريع جادة لتحقيق جودة الخدمة ومراقبتها وتطويرها، بل إن الشركة التي تنجح بضمان حد أدنى لجودة الخدمة وتقدم "اتفاقية مستوى الخدمة" مع كل منتج تعلن عنه ستتمكن من كسب أكبر شريحة من المشتركين وتحافظ عليهم وتزيد من ولائهم، وبالطبع ستحقق مزيدا من الأرباح على المدى المتوسط والبعيد. وفي المقابل فإن الشركات التي تبحث عن الحصول على حصة أكبر في السوق بكثرة الإعلانات والتخفيضات مع تقديم خدمة متواضعة أو غير منضبطة بمعايير جودة الخدمة فإنها لا محالة ستخسر المنافسة المحتدمة، وستهز ثقة المستفيدين وستشكل انطباعا عام يصعب تغييره.