إذا جاز لنا أن نُقدم تعريفاً مبسّطًا للإنترنت, فلعلنا نقول: إنها "نافذة على ثروة العالم المعرفية مشرعة للجميع؛ كُل يُثريها بما لديه وينهل منها ما يُريد". وفي هذا المجال، هناك تعليق يستحق الاهتمام للدكتور جون سيلي براون (John Seely Brown)، أحد أشهر خبراء التطبيقات على الإنترنت، طرحه في مُحاضرة ألقاها في معهد ماساشوستس التقني (MIT) الذي يُعدّ من أهم جامعات العالم. يقول التعليق بأن الإنترنت جعلت العالم (مُسطحاً) مفتوحاً للجميع، لكنها في الوقت ذاته أطلقت الفرص أمام وجود (مراكز ثقل معرفية) تقود المعرفة في الحقول المُختلفة. وتُعزز مراكز الثقل المعرفية هذه (تسطيح العالم) وانفتاحه على الجميع حيث تعمل من خلال ذلك، على نشر ما لديها من معرفة على الإنترنت دون مُطالبة بالملكية الفكرية أو حقوق النشر، غير أن هذا السلوك الحضاري والعلمي لا يحرمها المنافسة مع الآخرين ولا يفقدها مزيّة التفوق عليهم, وإذ هي تبسط نتاجها المعرفي لينهل منه الجميع, فإنما ترسخ حقيقة كونها منابر معرفية تنهل منها الإنسانية جمعاء.
وتتنافس في الوقت الحاضر الجامعات الرئيسة في العالم التي تعد نفسها مراكز ثقل معرفية، على ما تُقدمه من معرفة عبر الإنترنت. ومن أبرز المشروعات في هذا المجال المشروع المُسمى (آي كامبس ICampus) الذي تم تنفيذه على مدى (ست سنوات) من خلال تعاون علمي بين معهد ماساشوستس التقني (MIT) من جهة وشركة مايكروسوفت ( Microsoft) من جهة أخرى. وقد نتج عن هذا المشروع توفير محاضرات علمية لحوالي (150 مُقرراً دراسياً) على الإنترنت. وبذلك أصبح موقع المعهد مركز ثقل معرفي في هذه المقررات, لا ينهل منه طلاب جميع جامعات العالم فحسب، بل يتيح الفرصة لأي شخص يُريد أن يتعلم ولم تسمح له ظروفه بدخول أي من الجامعات.
وخلال سنوات المشروع الست، وفي إطار العمل على تنفيذه، جرى إتمام (40 رسالة بحثية للماجستير والدكتوراه) في موضوعاته. وشارك في المشروع حوالي ("400 عضو هيئة تدريس) من المعهد يُمثلون (10 من المئة) من مُجمل أعضاء هيئة التدريس فيه،. وشارك في المشروع أيضاً علماء من (30 جامعة و 13 شركة أخرى). ومن نتائج العمل في المشروع أيضاً نشر ما يزيد عن (70 بحثًا علميًا)، وتقديم أكثر من (300 عرض) بشأن جوانبه المُختلفة. وفي إطار المُنافسة، قامت جامعات عديدة بمشاريع مُماثلة لتكوّن من خلالها مراكز معرفية خاصة بها.
ولعلنا نتساءل هنا؛ (أين نحن من التحولات التي تقودها الإنترنت، ومن مراكز الثقل المعرفية العالمية، وماذا نستطيع أن نفعل؟). ولا يعدو أن يكون أمامنا إلا ثلاث خيارات رئيسة: الخيار الأول هو أن نستفيد من مراكز الثقل المعرفية التي يقيمها الآخرون؛ والخيار الثاني أن ندخل المنافسة ونسعى إلى بناء مراكز معرفية خاصة بنا؛ والخيار الثالث أن نفعل الاثنين معاً. ولا شك أن هذا الخيار الثالث هو خيار الطموح والطموحين. لكن الطموح يحتاج إلى قلب جسور وعقل نيّر و عزيمة قوية ومُثابرة في العمل، فلا نستعجل أن تؤتي التجربة أكلها بعد حين. فالنتيجة ليست مادية مُباشرة، إنها مكانة معرفية أولاً؛ ولكن لا شك أن استمرار العمل والمحافظة على المكانة المعرفية وسيلة مهمة وأساسية للنتائج المادية في المُستقبل.
ويحتاج الخيار الثالث الطموح إلى خطة استراتيجية مُعززة بالحكمة والحماس والدعم المادي. وتشمل أجزاء هذه الخطة: وضع أولويات معرفية، وتعزيز البنية التقنية للإنترنت من جهة وللتطبيقات المعرفية من جهة أخرى. كما تتضمن هذه الأجزاء أيضاً تحفيزاً لمُشاركة المُؤهلين، وتعاوناً داخلياً وخارجياً، وأكاديمياً ومهنياً. وعسى أن نستطيع أن نبدأ هذا الأمر في وقت قريب حتى ولو من خلال مشاريع صغيرة تأخذ طريقها إلى النور لتحفّز مشاريع أكبر، وتحقق ازدهاراً ومكانة معرفية رفيعة لبلدنا الغالي.