قد يقول قائل إن احتياجات الإنسان تبدأ ولكن لا تنتهي طالما في جسده قلب ينبض، فهو لا يكف عن الطلب، وكلما حصل على شيء بحث عن أشياء أخرى. قد يكون في ذلك بعض الحقيقة، لكن الحقيقة أيضاً أن الإنسان قادر على العطاء، وليس على الأخذ فقط، وأن قدرته على العطاء هذه ربما تُبرر له زيادة المُتطلبات. ولكن يجب ألا تكون هذه المُتطلبات بدون حدود، خصوصاً إذا كان فيها ما يُؤدي إلى مُؤثرات سلبية على المُجتمع.
وعلى مدى الزمن، كانت احتياجات الإنسان، وما تزال، مسألة مفتوحة للفكر والحوار. فهي عماد سلامة المُجتمعات وسعادتها، فتأمين احتياجات الفرد الأساسية هدف بل وسمة من سمات المُجتمعات الناجحة. وسوف نحاول هنا استعراض احتياجات الفرد، وسنستعين في ذلك بما يُعرف "بهرم ماسلو Maslow's hierarchy " لاحتياجات الإنسان، الذي وضعه الأستاذ الجامعي "ماسلو" عام 1943م، في بحث بعنوان "نظرية تحفيز الإنسان". ويُمثل "الهرم" الذي يُلخص مُخرجات هذا البحث احتياجات الإنسان تبعاً لأولوياتها في إطار مُتدرج يتضمن خمسة مستويات رئيسة.
المستوى الأولى والذي يحظى بالأولوية هو مستوى "الاحتياجات الطبيعية". وتتضمن هذه الاحتياجات: الطعام والشراب والمسكن وما يرتبط بذلك من أمور. أما المستوى الثاني فهو مستوى "احتياجات السلامة" ويشمل بناء الصحة وسلامة البدن، وسلامة العمل بمعنى الأمن الوظيفي، إضافة إلى أخلاقيات التعامل، وبناء الأسرة، وموضوع التملك وما إلى ذلك من قضايا. ويطرح المستوى الثالث مسألة الحاجة إلى "الانتماء" وإلى روح "المجموعة". ثُم يُبرز المستوى الرابع الحاجة إلى "القيمة" بما في ذلك القيمة الذاتية وقيمة الآخرين، مثل الحاجة إلى بيئة تمنح الثقة وتُفعل الحافز الشخصي، إضافة إلى التعامل مع الآخرين باحترام مُتبادل. ويأتي المستوى الخامس والأخير في "هرم ماسلو" ليُبين حاجة الإنسان إلى "إثبات قدراته"، ويتضمن ذلك تأهيله ليتمكن من: استيعاب الحقائق، واكتساب القدرة على حل المشاكل بموضوعية ومرجعية أخلاقية، وكذلك الإبداع والابتكار في الأمور المُختلفة وغير ذلك.
إذا كان ما سبق يُمثل احتياجات الإنسان أو بعضاً منها، فالسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو "من المسئول عن تأمين هذه الاحتياجات"؛ إنه في الحقيقة المُجتمع. والمقصود بالمجتمع ليس الدولة ومُؤسساتها فقط، وليس القطاع الخاص أو المجتمع المدني فقط، وليس الأفراد البارزين في المجتمع فقط، وليس الإنسان الفرد وحده؛ بل كُل هؤلاء مُؤسسات وأفراد مسئولون عن تأمين احتياجات الإنسان.
وعندما نحمل المسئولية كُل هؤلاء علينا أن نُحدد طبيعة المسئولية هذه. فلا شك أن الفرد ذاته يتحمل مسئولية رئيسة عن تأمين احتياجاته، لكن باقي الأطراف مسئولون عن توفير "البيئة المناسبة" التي تسمح له بحمل مسئوليته بين يديه. ولأن لتوفير هذه البيئة أطراف عدة، فإن ما يحتاجه المُجتمع هو أن تعمل هذه الأطراف معاً في إطار مُتكامل. وهنا يبرز موضوع تحدثنا عنه في مرات سابقة، ألا وهو موضوع الشراكة في التخطيط والشراكة في المسئولية والشراكة بالطبع في العمل الجاد.
الجميع في هذا العالم من أقصاه إلى أقصاه يواجهون تحدي المنافسة، والحقل الرئيس في هذه المنافسة هو المعرفة الحية القادرة على العطاء. وعلى ذلك ففكر الإنسان هو مركز هذا التنافس. وكي يكون هذا الفكر قادراً ومتميزاً يجب أن يحظى صاحبه بما يستجيب لاحتياجاته. هذا هو دور الجميع تجاه أجيال المستقبل، بل وتجاه مستقبل الوطن الغالي.