تحدثت في الأسبوع الماضي عن الفلسفة اليابانية حول أهمية جانب العرض لعملية الأبحاث والتطوير. في الغالب أن أبحاثنا العلمية تُعرض في مؤتمرات علمية محلية مُتخصصة، غالباً ما تصاحبها معارض لأحدث المنتجات الدولية في التخصص المطروح أو عروض للشركات الراعية للمؤتمرات. في مثل هذه المؤتمرات المحلية نُلاحظ الانفصال بين المعارض التي تُقام من ناحية، وبين البحوث التي تُقدم من ناحية ثانية. فالمعارض تكون عادة للمنتجات والخدمات المستوردة، بينما يجري عرض البحوث في غرف مُغلقة يقتصر حضورها على عدد محدود من الباحثين، دون أن يعلم الناس عنها وعن فوائدها، ودون أن يحضرها رجال الأعمال والصناعيون و المسؤولون القادرون على استثمارها وتعميم الاستفادة منها.
إذن فعلى جامعاتنا أن تهتم، ليس فقط بالمؤتمرات العلمية المحلية ومعارض المنتجات الأجنبية المصاحبة لها في مجالاتها العلمية المختلفة، بل بعرض بحوثها أيضاً، على الملأ، وبيان الفوائد التي يُمكن الحصول عليها من الاستثمار في هذه البحوث وتطويرها وتسويق مُنتجاتها وخدماتها. ففي كل مؤتمر علمي محلي، يجب أن يكون هناك عرض لمعطيات البحث العلمي في جامعاتنا في المجال العلمي الذي يطرحه المؤتمر، خصوصاً المعطيات القابلة للتطبيق، أو تلك التي تحتاج إلى المزيد من التطوير لتصبح كذلك. وبالطبع لابد لمثل هذا العرض أن يتمتع بصفتين رئيستين، أي أن يكون مبسطاً وقابلاً للفهم ومُركّزاً على الفوائد المحتملة، وأن يكون أيضاً جذاباً تقترن فيه الصورة، الثابتة والمتحركة، والأشكال التوضيحية، بالكلمة والتعبير.
وهناك، بالإضافة إلى معارض المؤتمرات العلمية، وسائل أخرى لعرض البحوث العلمية على الملأ يُمكن استغلالها والاستفادة منها أيضاً؛ وهذه الوسائل هي وسائل الإعلام وكذلك الإنترنت. فالصحف والمجلات تستطيع الإسهام في عرض البحوث من خلال مقالات خاصة مُلفتة. ويستطيع التلفزيون وإلى جانبه الإذاعة أيضاً، ومن خلال نشرات الأخبار، وعبر برامج ومقابلات خاصة، الإسهام في العرض المنشود ونقله إلى الملايين. ثُم هناك الإنترنت التي تُخاطب قطاعاً واسعاً من المهتمين بالقضايا العلمية؛ حيث يُمكن عن طريق بناء مواقع مُتخصصة عرض البحوث العلمية وفوائدها المحتملة بأساليب فعالة مُبسطة تُجيد الاستخدام المزدوج للكلمة والصورة بل وتسمح هذه الوسيلة بين المهتمين وجمع الردود والملاحظات بشكل تفاعلي في أمس ما يكون الباحث إليه.
لاشك أن الاستفادة من الإضافة اليابانية لمسألة "العرض" إلى قضية "البحث والتطوير" والتي عرجت عليها الأسبوع الماضي أمر مُقنع وواعد. فلماذا تظل بحوث جامعاتنا، أو لنقل مُعظمها، حبيسة المختبرات أو الأوراق والملفات الإلكترونية. نحن نحتاج إلى عرضها لتفعيل فرص تطويرها والاستفادة منها، والأساليب والوسائل اللازمة لتحقيق ذلك موجودة. فلنمضِ قُدماً في هذا الاتجاه، فالمردود المتوقع استغلال مباشر لمعطيات البحوث القائمة، وبناء طويل المدى لثقافة الابتكار ومجتمع المعرفة.