تتنافس الجامعات حول العالم على أساس ما تقدمه من عطاء معرفي، يُميزها عن الجامعات الأخرى، ويُعطيها أسباباً للتفوق. لكنها في ذات الوقت تتعاون وتتبادل الخبرات، وتعمل على إنشاء التجمعات الجامعية، من أجل تطوير إمكانتها، وتحسين كفاءتها، وزيادة خدماتها المعرفية، ليس فقط على مستوى المجتمع من حولها، بل على المستوى الدولي والإنساني أيضاً.
إننا في المملكة العربية السعودية وفي بقية العالم العربي والإسلامي في حاجة ماسة للتعرف على التجارب العالمية الناجحة للتعاون البحثي بين الجامعات. ولعل من أبرز التجمعات الجامعية المعروفة حالياً: "تجمع الجامعات الأمريكية AAU" الذي يضم "62 جامعة أمريكية متميزة"؛ و"رابطة الجامعات الأوربية البحثية LERU" التي تشمل "20 جامعة أوربية متميزة". وسوف نتحدث فيما يلي عن رابطة الجامعات الأوربية ونطرح طموحاتها ونشاطاتها، ونناقش كيفية الاستفادة منها في توجهاتنا نحو تطوير جامعاتنا.
تم تأسيس "رابطة الجامعات الأوربية البحثية LERU" عام 2002، وشملت الرابطة في ذلك الوقت "12 جامعة بحثية متميزة" تنتمي إلى "9 دول أوربية". بين هذه الجامعات كان هناك ثلاث جامعات بريطانية هي "أكسفورد و كامبردج و أدنبرة"؛ وجامعتان ألمانيتان تنتميان إلى مدينتي "ميونخ وهيدلبرغ"؛ وجامعة فرنسية في مدينة "سترسبورغ"؛ وجامعة إيطالية في مدينة "ميلانو"؛ وسويسرية في "جنيف"؛ وهولندية في "ليدن"؛ "وفنلندية في "هلسنكي"؛ إضافة معهد "كارولينسكا" السويدي؛ والجامعة الكاثوليكية في "ليوفن"، بلجيكا.
في عام 2006، انضمت ثماني جامعات أوربية بحثية متميزة أخرى إلى الرابطة، ليصبح مجمل عدد الجامعات فيها "20 جامعة". وشملت الجامعات المنضمة: جامعة بريطانية واحدة هي "الكلية الجامعية" التابعة لجامعة لندن البريطانية؛ وجامعة ألمانية تنتمي إلى مدينة "فريبرغ"؛ وجامعتان فرنسيتان في العاصمة "باريس"؛ وجامعة سويسرية هي جامعة "زيورخ"؛ وجامعتان هولنديتان هما "أوترشت وأمستردام"؛ وجامعة "لند" السويدية. وجرى تأسيس أمانة عامة للرابطة، مقرها الجامعة الكاثوليكية في "ليوفن"، بلجيكا. ولعل اختيار بلجيكا كمركز للأمانة العامة قد جاء توافقاً مع كون بلجيكا عاصمة للاتحاد الأوربي.
وتُعّرف رابطة الجامعات الأوربية هذه بنفسها على أنها "تجمع تعاوني فعّال بين مؤسسات معروفة بالتزامها بتقديم بحوث قادرة على المنافسة على مستوى العالم، مقرونة بجودة تعليمية عالية". وتُركز الرابطة على فكرة "تحقيق تعليم متميز ضمن بيئة بحثية على مستوى عالمي مُتقدم". وتحدد الرابطة هدفها العام على أنه "وضع الجامعات الأوربية في مقدمة جامعات العالم بحثياً وتعليمياً". كما تُبين وسيلتها إلى ذلك بالعمل على "وضع سياسة طموحة مشتركة بين أعضائها".
وتحدد الرابطة مبادئ عامة لعملها. فهي تهتم "بالتوعية بشأن التفاهم الإنساني"، وتؤكد على "البحوث الأساسية" وعلى "تطوير البحث العلمي" بشكل مكثف، وعلى نطاق واسع أيضاً يشمل شتى المجالات. وتعتبر الرابطة أن البحوث الأساسية هي "المنهل الرئيسي" لكل من الإبداع والابتكار والتعليم. فهذه البحوث تُقدم مادة معرفية هامة، وتطرحها للنقاش؛ وتؤهل، من خلال ذلك، الإنسان بما يوسع قاعدته المعرفية، ويُساعده على تقديم الأفكار المفيدة والمبتكرات الجديدة والاستفادة منها، بمعنى تعزيز "البحث العلمي التطبيقي".
وللرابطة مجلس أعلى من رؤساء الجامعات الأعضاء، يجتمع مرتين سنوياً. ويرتبط بهذا المجلس لجان مُتخصصة تعمل على وضع الجوانب المختلفة للسياسة المشتركة المنشودة، وتسعى إلى تنفيذها. وقد ركزت النشاطات الأخيرة لهذه اللجان على دراسة قضايا محددة شملت: "برامج الدكتوراه، ونقل التقنية والابتكارات، إضافة إلى السياسة البحثية للاتحاد الأوربي". كما أطلقت مبادرات في موضوعات معينة تضمنت: "التعلم إلكترونياً، وتعزيز الإمكانات الرقمية، إضافة إلى التعليم الطبي".
ومن النشاطات الهامة للرابطة، بالإضافة إلى ما سبق، "الاهتمام بالناشئة". ففي عام 2005، قامت ثماني جامعات من أعضاء الرابطة بإنشاء ما أسمته "جامعة الصغار". وشملت نشاطات هذه الجامعة تدريب عدد من الطلبة الصغار المتميزين في الجامعات الثماني ذات العلاقة خلال الفترة سبتمبر-نوفمبر. وبين الجامعات التي شاركت في ذلك جامعات كل من: أكسفورد وأدنبرة في بريطانيا؛ وهيدلبرغ في ألمانيا؛ وستراسبورغ في فرنسا؛ وميلانو في إيطاليا؛ وزيورخ في سويسرا؛ إضافة إلى ليوفن في بلجيكا.
وقد قامت الرابطة بنشر عدد من الدراسات الهامة. وشملت موضوعات هذه الدراسات موضوع "إطلاق الإمكانات الفكرية الأوربية"؛ وموضوع "التعليم العالي والبحث العلمي في أوربا"، إضافة إلى موضوع "الجامعات البحثية كمصدر لتحريك وتفعيل أوربا المعرفة". وحظي موضوع "المعهد الأوربي للتقنية" بدراستين. موضوع إحداهما "المنافسة والبحث العلمي ومبدأ المعهد الأوربي للتقنية"؛ أما موضوع الدراسة الثانية فكان "هدف وهيكل ووظائف المعهد الأوربي للتقنية".
لاشك أن تجربة رابطة الجامعات البحثية الأوربية تستحق الدراسة والبحث، خصوصاً مع التحديات الحديثة لمجتمع المعرفة، ومع توجهات المملكة نحو الاستجابة لهذه التحديات والسعي إلى مواجهتها. وللمملكة في هذا الإطار، ليس فقط إمكانات ذاتية كبيرة، بل امتداد مُتعدد الأبعاد يشمل البُعد العربي، والبُعد الإسلامي، ناهيك أيضاً عن البعد الدولي وإمكان التعاون البناء مع الآخرين. ولعلني في مناسبة قادمة إن شاء الله أسلط الضوء على مبادرة أخرى وهي تجمع الجامعات الأمريكية.