قيل في وقت من الأوقات إن "بريطانيا العظمى" هي الامبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس للتعبير عن وجود مُسستعمرات لها حول العالم بحيث لا تكاد الشمس تغرب عن بعضٍ منها حتى تُشرق على بعضها الآخر. لكن الشمس غربت عن "بريطانيا" بعد أن استقلت البلدان التي استعمرتها طويلاً، لتصبح دولاً مُستقلة ذات سيادة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن إحدى هذه الدول باتت أهم من بريطانيا ذاتها، على المستوى الدولي، والمقصود هنا الولايات المُتحدة الأمريكية التي خضعت في يوم مضى للحكم البريطاني. كما تجدر الإشارةأيضاً إلى أن إحدى هذه الدول تتمتع بحجم سكاني كبير وامتداد جغرافي واسع إلى جانب نمو اقتصادي غير مسبوق، والمقصود هنا الهند.
وإذا كانت القوة المادية قابلة للزوال، فإن القوة الثقافية أكبر أثراً وأطول تأثيراً. فقد امتدت اللغة الإنجليزية مع امتداد القوة المادية البريطانية، ولكن عندما ذهبت هذه القوة، بقيت اللغة الإنجليزية ولم ترحل معها. وأكثر من ذلك، فقد ترسخت اللغة الإنجليزية عن طريق تأثير الدول المستعمرة سابقاً، مثل الولايات المُتحدة والهند، وترسخت أكثر بسبب تقنيات العولمة المُتجددة مثل تقنيات المواصلات، ثم تقنيات الاتصالات، وصولاً إلى تقنيات الحاسوب والإنترنت، والتعامل مع المعلومات على نطاق واسع على المستوى الدولي.
ليس أمر اللغة جديداً في التاريخ، فبعد سقوط الامبراطورية الرومانية، بقيت لغتها اللاتينية كامنة في مُعظم اللغات الأوربية من الإيطالية إلى الإنجليزية، بل والألمانية، مروراً بالإسبانية والبرتغالية والفرنسية وغيرها. كما أن لغتنا العربية، لغة القرآن الكريم امتدت إلى مواقع كثيرة من العالم الإسلامي وترسخت حتى بعد زوال حكم الدولة الإسلامية الواحدة. والأثر بالنسبة للغة العربية لا يقتصر على النواحي التاريخية الدنيوية فقط، بل على حماية رب العالمين للغة القرآن الكريم.
إن ما سبق، مُقدمة قد تكون مطولة بعض الشيء لمسألتين مهمتين أود إبرازهما في هذا المقال. أولهما أن اللغة الإنجليزية لم تعد لغة السيطرة الاستعمارية كما كانت من قبل، بل باتت لغة العالم، أو لغة العولمة، إن جاز التعبير. والعولمة في عصرنا هذا بتقنياته وتطوراته ليست مطروحة للاختيار، بل هي واقع قائم، وساحة للتواصل والمنافسة، واللغة الإنجليزية كحقيقة هي وسيلة هذا التوصل وكرة هذه المنافسة التي يجب الاهتمام ببناء القدرة على التعامل معها.
أما المسألة الثانية التي أود إبرازها هنا أيضاً، فهي ضرورة وجود حدود لتعاملنا مع اللغة الإنجليزية. فاللغة الإنجليزية يجب أن تبقى كما فرضها التاريخ القريب وسيلة للتواصل الدولي مع العالم الخارجي، وليس كبديل ثقافي للغة العربية. فإذا كانت االأولى مفروضة علينا، فإن الثانية من اختيارنا. وهل هناك من يختار الإنجليزية كبديل للعربية. إذا كان هناك من يفعل ذلك، فهو على خطأ، ربما نجم عن الدهشة الناتجة عن تقدم العالم المتسارع وتفاعلنا مع ذلك ببطء. اللغة الإنجليزية من ضرورات العصر، لكنها ليست بديلاً ثقافياً. لا يكفي أن ينطق أولادنا بالعربية وبلهجتنا المحلية، عليهم أن يتعلموها ويستخدموها ويتفاعلوا من معطياتها، ويشعروا بالانتماء الثقافي لها.
من الصعب علينا أن نرى بيننا من يُجيد الكتابة والقراءة باللغة الإنجليزية أكثر مما يُجيدها باللغة العربية. جميع أبناء الدول الأوربية يتعلمون الإنجليزية، ولكن كلغة ثانية لا تُهدد الثقافة الأصلية. أبناء الثقافات الحريصون على جذورهم لا يفرطون بثقافاتهم حتى لمن هم قريبون منهم. صحيح أن أولادنا يجب أن يتعلموا الإنجليزية، لكن موقع العربية يجب أن يكون دائماً في العقل وفي القلب.