إن التقدم الملحوظ في التعليم العالي في المملكة العربية السعودية على المستوى الكمي والكيفي يشجع الباحثين والمهتمين بالمشاركة في هذا التطور وطرح رؤى وأفكار موضوعية تسهام في دفع هذا التطور والمساهمة في توجيهه. لعل أبرز ما يدور في مجالسنا في نهاية كل فصل دراسي هو جودة مخرجات تعليمنا العالي وجاهزية الخريجين لسوق العمل. بل ويصلني كم كبير من المكالمات الهاتفية والبريد الإلكتروني من طلبنا في نهاية كل فصل للبحث عن فرص العمل المناسبة والتي تزيد الخريج خبرة معقولى في سنوات العمل الأولى. بل إن البعض يشعر بحاجة إلى أخذ جرعة مركزة عن طريق الإنخراط في دورات تدريبية متخصصة.
إن هناك نقلة كبيرة في حياة الإنسان في الفترة التي يتخرج فيها من الجامعة، ويستعد للانخراط في العمل المهني والتعامل الفعلي مع المجتمع. في هذه الفترة يبرز أمام خريج الجامعة، وهو يسعى لإيجاد عمل، تساؤلات عدة، لعل من أبرزها: ماذا لدي لأقدم من نشاطات مفيدة، وهل ما أملك من معارف ومهارات يضعني في موقع تنافسي مُتقدم مع خريجي الجامعات الأخرى؛ ثُم هل ما اكتسبته في الجامعة مُناسب لما هو مطلوب للعمل الذي سأقوم به؛ إضافة إلى تساؤلات أخرى تدخل في إطار التنافس على المستوى والإمكانات بين خريجي الجامعات، وفي قضية التوافق المطلوب بين إمكانات خريج الجامعة وبين مُتطلبات سوق العمل.
إذا كانت هذه التساؤلات السابقة مُتوقعة، وتواجه خريجي الجامعات كل عام، فإن على مؤسسات التعليم العالي، وعلى رأسها وزارة التعليم العالي، أن تُخطط لها بشكل استباقي يُحقق المستوى المنشود لخريجي الجامعة، ويُؤدي إلى تفاعل إيجابي بين ما لدى خريج الجامعة من معارف ومهارات، وما تحتاجه المؤسسات التي يُمكن أن توظفه من هذه المعارف والمهارات.
إن التخطيط المُسبق لهذا الأمر يتطلب معلومات يستند إليها تسمح بتزويد طالب الجامعة بالمعارف والمهارات التي تضعه في موقع تنافسي بين أقرانه من خريجي الجامعات الأخرى من جهة، إضافة إلى تحقيقها للتوافق مع احتياجات سوق العمل المحلي من جهة أخرى.
وتجدر الإشارة إلى أن مسألتي التنافس مع الجامعات الأخرى والتوافق مع مُتطلبات سوق العمل، هما مسألتان مرتبطتان، ليس فقط من حيث الهدف في تميز خريج الجامعة، بل من حيث بعض العوامل المؤدية إلى هذا التميز. فهناك معارف ومهارات أساسية عامة لخريج الجامعة، بصرف النظر عن موضوع التخصص، تُناسب سوق العمل في أي مكان في العالم. وهناك أيضاً معارف ومهارات أساسية خاصة لكل تخصص تُناسب سوق العمل في هذا التخصص، أياً كان مكان العمل. وهذه المعارف الأساسية العامة منها والخاصة، ومدى الاهتمام بها، وكيفية تقديمها للطالب، والتأكد من اكتسابه لها، هي ما يُميز خريجي جامعة معينة عن خريجي الجامعات الأخرى.
تتطلب دراسة سوق العمل المحلي وجود علاقة بين خريجي الجامعة السابقين، وبين الجامعة. فهؤلاء خاضوا غمار سوق العمل بعد تخرجهم من الجامعة، وعرفوا نقاط القوة التي زودتهم بها دراستهم، وخبروا أيضاً نقاط الضعف، وما تمنوا لو أن الجامعة جنبتهم ذلك الضعف، وأعطتهم ما يحتاجون إليه. هذه العلاقة بين خريجي الجامعة والجامعة يجب أن تكون مستمرة، وأن تسمح بدراسات ميدانية مستمرة، وتُسهم في تطوير المناهج الجامعية باستمرار، استجابة لمتغيرات الحياة.
إن دراسات جمع المعلومات هذه ضرورة، لا بُد منها للتخطيط، لكنها لا تكفي، وهنا يأتي دور تحليل "المعلومات" والعمل على تحويلها إلى "معرفة" مفيدة للتخطيط المطلوب. ويحتاج هذا الأمر إلى خبرة، وإلى حكمة، وإلى الاستفادة من التجارب السابقة والتعلم من التجارب الذاتية. إننا نحتاج إلى دراسات مُستمرة تقدم لنا المعلومات المطلوبة وتُرينا مُتغيراتها، ونحتاج إلى التخطيط المتواصل لتحديد ما يجب عمله لتحقيق التطوير المنشود؛ وبالطبع نحتاج أولاً وأخيراً إلى تحويل ما نريد إلى واقع ملموس.