لا شك أن مسألة تطوير التعليم العالي مسألة تشغل بال ليس الأكاديميين فقط، بل جميع أبناء المُجتمع العاملين في حقول المعرفة والمسؤولين عن التنمية والأداء الاقتصادي، والارتقاء بإمكانات الوطن. وعندما ظهر بريق التطوير في جامعاتنا، وجدنا أبناء المجتمع يتفاعلون مع هذا التطوير الموعود، ويتبرعون وينفقون على كراسي البحوث ومراكز التميز ووسائل التطوير الأخرى.
ولم يكن بريق التطوير في جامعاتنا ومضات ضوئية إعلامية فقط، بل كان فعلاً وعملاً أيضاً. فقد ظهرت برامج تطوير مُختلفة، ومشروعات مُتعددة تسعى إلى تحفيز البحث العلمي والإبداع والابتكار، وتطوير العملية التعليمية، وتطوير إمكانات تقنيات المعلومات، وتشجيع استخدامها والاستفادة منها. وبالإضافة إلى ذلك، رحنا نسمع عن زيارات مُتبادلة، وضيوف من كبار العلماء في العالم، واتفاقيات مع جامعات متميزة من مُختلف أنحاء العالم، وغير ذلك من نشاطات محمودة.
نحن بالتأكيد نريد لكل جهود تطوير التعليم العالي أن تنجح، بل أن تكون مُتميزة في نجاحها. والنجاح بالطبع لا يتم بين عشية وضحاها، بل يحتاج إلى زمن، تماماً كما تحتاج النبتة المزروعة إلى زمن قبل أن تُعطي ثمارها. لكننا وقد زرعنا، علينا أن نهتم بعناصر البيئة وبمتطلبات النمو كي نجني المحصول الذي نتطلع إليه. وفي هذا الإطار هناك ما يقلق، والقلق هنا بالمعنى الإيجابي الذي يُحفز التفكير بالمشاكل القائمة أو المُمكن حدوثها، ويُشجع على العمل على حلها.
ولعل بين أهم المشاكل التي تحتاج إلى الطرح، وإلى الحوار، وإلى العمل على الحل، مُشكلة توزيع مسؤولية التطوير على أصحاب العلاقة، بمعنى أن يُفسح المجال أمام الجميع للإسهام في برامج التطوير، والوصول من خلال ذلك إلى محصول مُثمر، و نتائج واعدة. فهناك شعور لدى الكثيرين من أعضاء هيئة التدريس أن هناك فجوة بين ما تسعى الإدارة العليا إليه وما تقوم به من جهة، وبين القوة التنفيذية القادرة على تحويل طموحات الإدارة العليا إلى واقع ملموس من جهة أخرى. فالتطوير الحقيقي يتم على الأرض، في التفاعل بين المدرس والطالب، ضمن مُختلف المراحل الجامعية: البكالوريوس والماجستير والدكتوراه، و في إطار كل من العملية التعليمية، والبحث العلمي، التعاون الخارجي. وهنا تكمن ضرورة توزيع المسؤولية التنفيذية، حيث يتم تحقيق التطوير المنشود.
ما يجري اليوم خطوة في الاتجاه الصحيح، لكن المُضي قُدماً في هذا الاتجاه يتطلب مُشاركة الجميع. وهذه المشاركة لا تأتي بدون توزيع المسؤولية، وتوفير البيئة المُناسبة والمُحفزة للعمل. وقبل ذلك توعية الجميع بالبرامج ونشاطاتها والاتفاقات الخارجية وأهدافها. في كثير من الأحيان نجد دعوة لحضور مُحاضرة أو ورشة عمل في إطار برنامج معين، ونجد أيضاً أن الحضور فيها مُتواضع لا يُحقق غرض الاستفادة منها. لماذا: لعدم وجود البيئة المناسبة، أو لأن وقت عضو هيئة التدريس لا يسمح، أو أن التوقيت غير مُناسب، أو لعدم وجود قناعة في التطوير المنشود ، أو لأن المشاركة في المسؤولية مفقودة.
إن أي تطوير يحتاج إلى من يقوده، لكن ذلك لا يكفي؛ يجب تحويل كل صاحب علاقة إلى مسؤول، إلى قائد لعملية التطوير، في إطار عمله. نحتاج إلى مهارة تجزئة المسؤولية وتوزيع الأجزاء الناتجة على المُنفذين؛ ونحتاج أيضاً إلى المهارة المُقابلة، مهارة تجميع نتائج هذه الأجزاء إلى كُل مُتكامل. إن كل عمل يتم على مستوى الإدارة العليا، يبقى افتراضياً، حتى ينتقل إلى المستوى التنفيذي ليُنفذ بالفعل، كي يُصبح عملياً وواقعياً.
نأمل من جامعاتنا أن تُغلق الفجوة بين رؤيتها التطويرية وبرامجها على مستوى إدارتها العليا، وبين مستوى العمل التنفيذي، كي يتكامل التطوير من خلال مُشاركة الجميع.