أصدر معالي وزير التربية والتعليم قراراً بشأن عدم جواز استخدام لقب "دكتور"، أي عدم جواز استخدام "الدال"، من قبل أولئك الحاصلين على درجة الدكتوراه لم يتم الاعتراف بها ومعادلتها من الجهات المختصة، في وثائق الوزارة وخطابات منسوبيها. وقد أثار هذا القرار مناقشات وآراء، ليس فقط ضمن نطاق المتخصصين والحاصلين على درجات جامعية عليا، بل على المستوى العام أيضاً، حيث طرحته صحفنا اليومية التي تصل إلى الجميع. وانصب النقاش، في غالبه، على الجامعات التي تمنح الدرجات العليا، ومن منها يستحق الاعتراف، ومن لا يستحق ذلك. وكذلك عن الدرجات التي يُمكن الحصول عليها عن طريق نظام الانتساب في بعض الجامعات؛ والدرجات التي تتطلب وجود الطالب خلال كامل فترة الدراسة، وما إلى ذلك من تفرعات لهذا الموضوع الحيوي.
ما نود أن نطرحه هنا، ليس قضية الاعتراف بالدرجات الجامعية العليا، بل قضية القيمة التي يحملها صاحب الدرجة، واستعداده أو قدرته على توظيفها فعلاً في عمله، وفي مستوى أدائه. فالدكتوراه، حتى لو كانت صادرة عن أهم جامعات العالم وأعرقها، تبقى ورقة إثبات لعمل سابق، وليس قيمة حقيقية مُستقبلية، ما لم يتم توظيفها لتقديم هذه القيمة. وعلى ذلك فالمطلوب يجب ألا ينحصر في التمييز بين درجة جامعية عُليا من جامعة مُعترف بها، أو أخرى غير مُعترف بها، بل يجب أن يتضمن أيضاً القيمة التي يُقدمها صاحب الدرجة للعمل الذي يقوم بأدائه. فالنظر إلى الدرجة فقط هو نظر إلى الماضي، لكن النظر إلى القيمة هو نظر إلى الواقع، وإلى المستقبل الذي نريده دائماً أفضل.
وقد يقول قائل، ما هي القيمة التي يستطيع حامل دكتوراه في الأدب، على سبيل المثال، أن يقدمها إلى عمله، إذا كان يعمل مُديراً عاماً لإحدى الدوائر الحكومية أو المؤسسات الخاصة. هذا بالتأكيد سؤال هام ومشروع، ويستحق الطرح. وإجابته تكمن في جانبين. الجانب الأول هو مفهوم الدكتوراه كدرجة جامعية عليا، والجانب الثاني هو جانب حامل هذه الدرجة.
لنبدأ بمفهوم الدكتوراه، هذه الدرجة العلمية ليست سنوات دراسية أخرى تُضاف إلى السنوات الدراسية التي سبقتها، وتُشابهها في الأسلوب والتحصيل المعرفي، بل إن لها مساراً أكاديمياً مُختلفاً. فالدكتوراه ليست تحصيلاً معرفياً فقط، لكنها عطاء معرفي أيضاً؛ بل إن المهارة التحليلية والعطاء المعرفي المطلوب فيها، يفوق التحصيل، ليعبر عن قدرة الطالب على تقديم هذا العطاء، وليس فقط قدرته على التحصيل، التي يكون قد أثبتها في المراحل الدراسية السابقة.
وللعطاء المعرفي المطلوب في الدكتوراه جانبان: جانب المهارة الفكرية التي يُكونها طالب الدكتوراه خلال إعداده لرسالته، وجانب الموضوع الذي يُطبق مهارته فيه، ويُقدم رسالته في إطار موضوعاته. وعلى ذلك يُفترض أن لدى حامل الدكتوراه مهارة فكرية عامة من جهة، إضافة إلى عطاء فكري في موضوع مُحدد من جهة أخرى. ومن هنا يُمكن القول، إن حامل الدكتوراه يُمكن أن يُقدم قيمة لعمله، حتى وإن كان يعمل خارج إطار تخصصه؛ فإن عمل داخل هذا الإطار، فإنه يستطيع تقديم قيمتين وليس قيمة واحدة فقط.
ان حملة الدكتوراه في بلدنا، وهم كُثر، مُطالبون بقيمة مُضافة، سواء أتيح لهم العمل في إطار تخصصهم، أو خارج إطار تخصصهم. وتتمثل هذه القيمة المُضافة بتفعيل مهارة التفكير المُكتسبة في دراستهم للدكتوراه، وتوجيهها نحو العطاء والتطوير، وتقديم خدمات أفضل، أو ابتكار مُعطيات جديدة، تبعاً لطبيعة عملهم. فإذا قام كل حامل "دال" بذلك، وبأسلوب موضوعي تعاوني، كما هو الحال في العمل البحثي الأكاديمي، فإننا سنجد أنفسنا في تطور مُستمر، يُسهم في إغلاق الفجوة مع دول العالم المُتقدم.
فيا أصحاب "الدال" عليكم تقديم عطاء يتمتع بقيمة للمستقبل على مدى سنين حياتكم المهنية الموفقة بإذن الله، بعد أن أثبتم قدرتكم على مثل هذا العطاء على مدى السنوات القليلة التي تتطلبها دراسة الدكتوراه.